حسام إبراهيم يكتب ل " مصر المحروسة .نت " : وزيرة الثقافة التي لم تقرأ تشيكوف !!

0 10

” لم اقرأ تشيكوف ابدا” !!..هكذا تحدثت وزيرة الثقافة بفخر !..انها ميري ريجيف وزيرة الثقافة في حكومة بنيامين نتنياهو والنجم الليكودي الساطع حتى ان بعض المحللين لايستبعدون ان تكون خليفته في زعامة كتلة الليكود ورئاسة الحكومة كما ان اسمها يتردد كمرشحة لتولي منصب وزير الدفاع في أي حكومة جديدة !.
ولعل المبدع الروسي أنطون تشيكوف صاحب بستان الكرز واحد اعظم من كتبوا القصة القصيرة على مدى التاريخ لن يتململ في قبره الذي يحوي رفاته منذ عام 1904 لأن هذه المتطرفة اليمينية الإسرائيلية المنحدرة من اصل مغربي لاتقرأ اعماله وانما من يتململ حقا بعض المثقفين في الكيان العبري ذاته وهناك بين المصنفين ضمن اليسار الاسرائيلي من ابدى صراحة الخوف على حياته جراء هذا المد والعلو لليمين الإسرائيلي المتطرف بشرورة المستطيرة  !.
مثلا  “اتهامات الخيانة” طالت الكاتب الإسرائيلي ايتجار كيريت وهو من الكتاب المعروفين في الغرب ويتبنى مع زوجته الممثلة شيرا جيفين توجهات معتدلة لكنها في نظر غلاة اليمين الإسرائيلي “تقوض المجتمع وتهدد الدولة” تماما مثلما تنظر هذه العناصر لمواقف الممثلة عينات وايزمان التي باتت من الصعوبة بمكان ان تشارك في أي اعمال فنية داخل إسرائيل حتى ان وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجيف طالبتها بسخرية “بالذهاب الى رام الله” !.
وميري ريجيف التي كانت من قبل متحدثة باسم الجيش الإسرائيلي ومديرة للرقابة العسكرية على الاعلام والنشر والتي ترفض أي حديث عن “دولة فلسطينية” بقدر ماتتحمس لسياسات ضم الأراضي في الضفة الغربية امست رمزا للتحول المثير نحو مزيد من التطرف اليميني في المجتمع الإسرائيلي.
ومع ان بنيامين نتنياهو زعيم الليكود ورئيس الحكومة الإسرائيلية يبدو غارقا في قضايا فساد فيما يطالب البعض باجراء انتخابات عامة مبكرة فان اغلبالتوقعات تشير لامكانية ان يحصل الليكود مرة أخرى على أصوات تضمن له قيادة الحكومة الجديدة بفضل تأييد تيار اليمين المتشدد والمستوطنين لتوجهات الرموز الليكودية مثل ميري ريجيف التي “نجحت في خلق حالة من الخوف في نفوس المثقفين الاسرائيليين الذين لايتفقون مع غلاة اليمين وممارسات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة” .
واذا كانت ميري ريجيف تتحدث “بفخر الجهل” عن تشيكوف وهو علامة من علامات الثقافة الإنسانية العالمية فهل  من المستغرب ان تمضي قدما في حربها ضد الثقافة الفلسطينية وحتى النزعات العقلانية والمستنيرة في الثقافة الإسرائيلية لحد ان بعض صانعي السينما الوثائقية في إسرائيل يعربون عن شعور بالتشاؤم حيال مستقبل هذه الصناعة في ظل وزيرة ثقافة ذات نزعة رقابية متسلطة وتتبنى توجهات يمينية متطرفة ؟َ .

وحسب تحقيق منشور في دورية “نيويورك ريفيو” الثقافية الأمريكية فان ميري ريجيف لاتتردد في قطع الدعم المالي لوزارتها عن أي مؤسسات او كيانات فنية تتخذ مواقف “تعتبرها مغايرة للتوجه الرسمي لإسرائيل وتصنفها باعتبارها ضارة بالدولة”..وبعد ان تولت منصبها كوزيرة للثقافة في إسرائيل عام 2015 بادرت ميري ريجيف باتخاذ قرار يقضي بفرض عقوبات وغرامات مالية على الفرق المسرحية والموسيقية التي تمتنع عن تقديم عروضها في المستوطنات بالضفة الغربية مقابل زيادة الدعم المالي للفرق التي تحرص على تقديم عروضها لهؤلاء المستوطنين.
لم تكترث وزيرة الثقافة الإسرائيلية بالاعتراضات على مسلكها الذي يتعارض مع “حرية الابداع والتعبير” فيما وصفت الكتاب والفنانين الذين يقدمون اعمالا تتعارض مع افكارها اليمينية المتطرفة بأنها “اعمال هدامة”..ومن الطبيعي ان تفضي سياسات ميري ريجيف لخنق أي ابداعات للفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل والذين يطلق عليهم “عرب 48” وان تغلق مؤسساتهم الثقافية والفنية مثل “مسرح الميدان” في مدينة حيفا كما يهدد” شبح ريجيف” مسرح “السرايا” في يافا بالتوقف وهو مسرح يشارك فيه فنانون يهود وعرب  .
ووفقا  لجعفر فرح مدير “مركز مساواة” المعني بالدفاع عن حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل فان نصيب “عرب 48” من الدعم المالي لوزارة الثقافة الإسرائيلية لم تزد نسبته-حتى بعد الدعاوى القضائية التي رفعها هذا المركز الحقوقي-عن 3 في المائة من موازنة هذه الوزارة..ولفت فرح الى عدم وجود أي متحف عربي للفلسطينيين داخل إسرائيل او تعليم مسرحي وتمويل لأفلام “عرب 48” موضحا ان المبدعين من هذه الفئة يفتقرون “لأي بنية أساسية ثقافية وكأنه لايحق لهم ان يحلموا بلغتهم العربية”.
ورأت شين تامير القيمة على “مركز تل ابيب للفن المعاصر” ان الدعم المالي  الذي تقدمه وزارة الثقافة الإسرائيلية “تحول لألية من آليات الرقابة” لافتة الى ان وزيرة الثقافة ميري ريجيف اقترحت سن قانون بعنوان “الولاء” ومن شأنه حجب الدعم المالي عن أي مؤسسة او كيان ثقافي ينتقد سياسات الدولة العبرية ..و في حالة موافقة الكنيست على هذا الاقتراح سيتكبد المبدعون الحقيقيون المزيد من الخسائر .
ورغم الإعلان منذ فترة عن استضافة معرض صور فوتوغرافية بشأن النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني للمصور الإسرائيلي ميكي كراتسمان في مركز تل ابيب للفن المعاصر لم يكن بالوسع إقامة هذا المعرض عندما حل موعده المعلن سلفا جراء الخوف من ملاحقات وزارة الثقافة الإسرائيلية بقيادة ميري ريجيف التي تبدي امتعاضا حيال الرؤية الفنية المتوازنة لميكي كراتسمان وتعتبر هذا المصور الفوتوغرافي الاسرائيلي مناهضا للدولة العبرية.
وكذلك تتخوف ناتاشا دودينسكي من سياسات وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجيف واجراءاتها الرقابية القمعية التي يمكن ان تسفر عن توقف هذا المهرجان السينمائي السنوي المعروف “بمهرجان 48 ملم”رغم الاستقلال المالي لهذا المهرجان السينمائي السنوي الذي تشرف عليه فنيا ويعرض أفلاما عن النكبة الفلسطينية عام 1948 وتداعياتها.
وعندما اقرت منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة “اليونسكو” مشروع قرار عربي يرفض السيادة الاسرائيلية على القدس ويؤكد على ان هذه المدينة المقدسة “محتلة” رأت وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريجيف ان الوقت قد حان “لاغلاق مكتب اليونسكو في إسرائيل”.
هل يفسر ذلك كله  قسوةالممارسات الوحشية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين العزل في مسيراتهم السلمية احتفالا  بذكرى”يوم الأرض” وتعبيرا عن تمسكهم بأرضهم وهويتهم الوطنية؟!..بالتأكيد هناك نوع خطير من حمى استفحال ثقافة عدوانية متطرفة تمكنت رموزها من الإمساك حتى بحقيبة وزارة الثقافة في إسرائيل !..واعتبرت ماريسا مازيرا- كاتز ومايرافا زونزاين في التحقيق المنشور بدورية “نيويورك ريفيو” ان بنيامين نتنياهو الذي يعد الآن ثاني أطول من شغلوا منصب رئيس الحكومة في إسرائيل هو القائد الفعلي للحرب على الثقافة الفلسطينية وهو الذي يرأس حكومة هي الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة العبرية وتهيمن عليها توجهات الاستيطان الاغتصابي والنزعات القومية المتطرفة بما افضى لرفض تسوية النزاع مع الفلسطينيين على اساس “مبدأ حل الدولتين”.
وهكذا استعادت ماريسا مازيرا- كاتز ومايرافا زونزاين في تحقيقهما الصحفي المعمق مشاهد لتظاهرات عناصر اليمين الإسرائيلي المتطرف وهي تهتف بالموت للعرب واليساريين الإسرائيليين معا..ويصف غلاة اليمين الإسرائيلي مثقفين وفنانين وشخصيات عامة في إسرائيل “بالخيانة” لمجرد اعتراضهم على ممارسات القمع الوحشي ضد الفلسطينيين وقتل الأطفال ومن بين هؤلاء المثقفين  الشاعر الإسرائيلي ناتان زاش البالغ من العمر 87 عاما  والذي اعرب عن قلقه حيال إمكانية تعرضه لاعتداءات من جانب عناصر اليمين المتطرف..وكذلك قررت وزارة الثقافة في إسرائيل عدم تقديم أي نوع من الدعم للراقص الإسرائيلي اركادي زايديس لمواقفه الرافضة للممارسات القمعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين واستنكاره لممارسات المستوطنين الاغتصابيين في الضفة الغربيةعلى وجه الخصوص .
ورغم التصاعد الواضح في الثقافة العدوانية المتطرفة داخل إسرائيلوقسوة التحدي الذي يجسده مشهد مثل “صعود نجم ميري ريجيف التي لم تقرأ تشيكوف” فان للمثقف الحقيقي ان يدرك ان الهزيمة مآل هذه الثقافة التي تغذي التطرف في المنطقة ككل وان الأهداف النبيلة والغايات العادلة لابد وان تتحقق يوما ما في منطقة عانت طويلا منالايديولوجيات المتطرفة واصوات الكراهية حتى كادت النيران ان تمسك بالاقليم كله!.
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: