حسام إبراهيم يكتب :كذبة ابريل !!

0 28

طريف ان يعلن احد المتهمين الكبار بالعنف الجنسي وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شهر ابريل كشهر لمكافحة العنف الجنسي !!..نحن في شهر يقترن مطلعه بالكذب او مايعرف بكذبة ابريل ويبدو ان ترامب قرر المشاركة في الاحتفال بشهر الأكاذيب على طريقته التي لاتخلو من طرافة !!.
واذ يقترن  الأول من ابريل  “بالكذب الطريف” او مايعرف “بكذبة ابريل” كمناسبة طريفة باتت عابرة للثقافات حول العالم عند الكثير من الشعوب فان قضايا “الصدق والكذب” تفرض نفسها في الأدب والفن والحب والسياسة والعلاقات الدولية أيضا..ومن منظور تاريخي ثقافي فان “كذبة ابريل” ظهرت أولا في الغرب كيوم للمزاح والمفارقات و”تدبير بعض المقالب الطريفة بين الأصدقاء” و”التندر على ضحايا كذبة ابريل” التي يعود بها البعض للقرن الرابع عشر الميلادي وبدأت تنتشر على مستوى العالم منذ القرن التاسع عشر. 
واذا كان المخلصون للشعر  يشعرون بالضيق حيال المقولة القديمة والشهيرة :”اعذب الشعر اكذبه” حتى ان البعض منهم يرد على هذه المقولة بمقولة مضادة :”بل اعذب الشعر اصدقه” فان الجدل بشأن “الصدق والكذب” طال الابداع الروائي أيضا..والكاتب والروائي الإيطالي الراحل ايتالو كالفينو الذي يوصف بأنه “احد سادة الرواية في العالم” اعتبر ان الروائي “ينطق بكسرة الحق الخبيئة في قاع كل كذبة” فيما أشار لمسألة “الصدق الفني في الابداع سواء كان شعرا او رواية” عندما قال ليس المهم ان يقول الكاتب الكذب او الصدق “لأن الأكاذيب يمكن ان تكون ممتعة وبليغة وكاشفة شأنها في ذلك شأن أي حقيقة ندعي قولها بصدق”.
وابدى كالفينو الذي قضى عام 1985 شكوكا عميقة حيال “هؤلاء الذين يدعون قول الحقيقة الكاملة عن انفسهم والحياة والعالم ” معتبرا ان “الفانتازيا” في الكتابة قد تكون سبيلا نحو الحقيقة وضرب المثل برائعته “لو ان مسافرا في ليلة شتاء” ليقول :”كان هدفي ان اتحدث عن حقيقة ليس بمقدوري ان ارويها بأية طريقة أخرى”.
كما يذهب بعض النقاد الى ان كتابات دانيلو كيس الذي قضى في عام 1989 تعبر عما يسمى فى الأدب “بفن الكذب الصادق” وهو من قلائل الكتاب الذين شغفوا  بالشكل التعبيرى دون اى تخل عن الرغبة فى توسيع مدارك القراء وقدراتهم على فهم واستيعاب مجريات العالم..ودانيلو كيس الذى ولد عام 1935 فى بلدة “سوبوتيكا” على الحدود بين الجبل الأسود “مونتينجرو” والمجر  احد اكثر الروائيين تفردا فى النصف الثانى من القرن العشرين وحظى باشادو واعجاب كتاب ومبدعين كبار مثل ميلان كونديرا والكسندر سولجنستين وخوان جويتيزيلو وسوزان سونتاج .
ولأنه ابن “اوروبا الوسطى بامتياز واحد كتابها الذين يمثلون عدة عرقيات فيها” فان الموقع الذى كتبته الأقدار مطبوع على كتاباته حيث يتناول التجارب التاريخية فى هذه المنطقة وهشاشة الدول الصغيرة وانكشافها تحت وطأة الضغوط واعباء التاريخ وتداخل الجماعات والحدود غير المنضبطة ومحن  النازية والفاشية والستالينية.
واذا كانت الآراء تختلف بين مؤيد “لكذبة ابريل” كمناسبة للضحك والمرح البريء ومعارض يرى ان المواقف المضحكة قد تنقلب لمآسي باكية فان تاريخ الأدب والأدباء عرف الكثير من الجدل والدموع التي طالت ادباء اكدوا انهم ضحايا أكاذيب مثل الأديبة اللبنانية مي زيادة.      
وحتى الآن مازالت الشهادات والروايات تختلف لحد التضارب والتناقض حول حقيقة مرض الأديبة مي زيادة التي ولدت 1886 وقضت عام 1941 وتؤكد شهادة نشرتها الكاتبة صافي ناز كاظم لصديقة مصرية حميمة لهذه الأديبة اللبنانية ذات الجذور الفلسطينية انها اتهمت ظلما بالجنون وكانت “ضحية مؤامرة دبرها بعض اقاربها لاستصدار احكام قضائية بالحجر عليها والاستيلاء على أموالها الوفيرة”.
وحسب هذه الشهادة للسيدة الراحلة نور هانم مرسي وهي شقيقة الفنان الراحل محمود مرسي وزوجة المحامي الشهير مصطفى مرعي فان صديقتها مي زيادة تعرضت “لجريمة بشعة في لبنان عندما زج بها اقاربها في مستشفى للأمراض العقلية التي تسمى هناك “بالعصفورية” لمدة ثلاث سنوات” وهي في الواقع لم تكن تعاني من أي مرض عقلي غير انها دفعت غاليا “ثمن اكذوبة كبيرة لتمرير مؤامرة الاستيلاء على ثروتها”.
ولاريب ان قضايا الصدق والكذب حاضرة في الفن وتعبيرات وقوالب الابداع الفني و يتفق العديد من النقاد على ان الفنان الإنجليزي الأصل شارلي شابلن الذي ولد عام 1889 وقضى عام 1977 فيما وصف بأنه “اعظم ممثل ايمائي في  العالم” يعد “ايقونة للصدق الفاضح لأكاذيب عالم يطفح بالقسوة والخداع” .
واذا كان الشاعر والكاتب المصري كامل الشناوي الذي قضى عام 1965كان نموذجا للمبدع  وفنان الكلمة وصاحب الروح الطليقة فسيبقى الشاعر الذي حول كذب  الحبيبة لكلمات خالدة يستدعيها كل من تعرض للخيانة والكذب..والحقيقة ان هذا الشاعر الذي ولد عام 1908 بقرية نوسا البحر في محافظة الدقهلية وذاعت كلماته الشاعرة :”لاتكذبي اني رأيتكما معا..ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا “كانت اختياراته غريبة ولافتة في العشق والهوى وقيل ان بطلة قصيدته الشهيرة “لاتكذبي” اول حبيبة كاذبة.
 وفي مقابل الحديث الذكوري عن كذب الحبيبة فهناك كتابات تدافع عن حواء وتتهم الرجل بأنه هو الذي يكذب على الحبيبة مثل ذلك الكتاب الذي صدر في الغرب بعنوان :”الرجال والحب وحقيقة الكذب فى الحياة الزوجية” والطريف انه بقلم رجل..وفي هذا الكتاب يتناول الأمريكي اريك اندرسونوهو استاذ فى علم الاجتماع بجامعة ونشسترثقافة الحياة الزوجية بالغرب ويسعى للاجابة عن اسئلة من قبيل:  لماذا يكذب الرجال على الزوجات؟!والطريف ان الناقدة الثقافية كاترين هاكيم ذهبت فى سياق تعليقها وتناولها لهذا الكتاب الى ان العنوان الانسب له هو “الدليل الكامل للخيانة الزوجية” فيما يتوغل المؤلف فى جذور واسباب استشراء كذب الرجال على زوجاتهم .
ولئن فرضت قضايا الصدق والكذب في السياسة والعلاقات الدولية نفسها على ابداعات  دانيلو كيس كما فعل فى المجموعة القصصية: “العود والندوب”. فان  مثقفين بارزين في الغرب مثل المفكر الأمريكي وعالم اللغويات نعوم تشومسكي يؤكدون على ان “الديمقراطية في الغرب حافلة بكثير من الأكاذيب ” وان وسائل الاعلام في بلد كالولايات المتحدة تقوم بأدوار دعائية لخدمة مصالح بعينها خلف ستار براق وكاذب من ادعاءات المهنية والموضوعية.
ومن هنا تحدث تشومسكي عن “القبضة الحريرية للرأسمالية الأمريكية مقابل القبضة الحديدية للنظام الشمولي في الاتحاد السوفييتي السابق” فيما قد يكون أسلوب “القبضة الحريرية” اكثر خطورة على قضايا الحرية الإنسانية لأنه يعتمد على تكتيكات ناعمة لتخدير وتزييف الوعي ويتستر خلف ستار خادع من المهنية والموضوعية وهو يصنع الأكاذيب أحيانا ويقدمها في صورة حقائق.
وفيما خضع شارلي شابلن في عام 1948 لاستجواب من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية للاشتباه في اعتناقه أفكار شيوعية وتعاطفه مع الاتحاد السوفييتي حينئذ وتعرض لكثير من الحملات الظالمة في الصحافة ووسائل الاعلام الأمريكية التي وصفها بأنها “تروج الأكاذيب وتنسجها حوله” فان “جهاز كشف الكذب” لم ينجح في كشف شخصية محيرة مثل الدريتش هازين ايمز الذى كان عمله فى المخابرات الأمريكية هو مكافحة التجسس فاذا به يتجسس لصالح السوفييت ويدان فى هذا الاتهام عام 1994 أى بعد انهيار الاتحاد السوفييتى ودخوله فى ذمة التاريخ!..غير ان الأمر الأكثر غرابة بمسلسل الغرائب فى هذه القضية أن الدريتش ايمز كان يجتاز اختبارات كشف الكذب الدورية  بنجاح وبعد نجاحه في كل اختبار كان يحق أضرارا فادحة حقا بالأمن القومى الأمريكى!.
وفي العلاقة بين السياسة والصحافة ووسائل الاعلام فان “لغة المصالح والأجندات في عالم السياسة والعلاقات الدولية كثيرا ماتجور على دقة وموضوعية التناول الصحفي والتغطية الإعلامية للأحداث حول العالم”..وتلك الإشكالية انتبه لها فنانون كبار في العالم مثل شارلي شابلن الذي يعد من اهم الممثلين الذين كشفوا عبر اعمال فنية في القرن العشرين بعض أكاذيب الصحافة الغربية بسبب المصالح والتحيزات السياسية.
وهذه الإشكالية مازالت مستمرة في القرن الواحد والعشرين واذا كان من المفترض ان يكون الاعلام صوتا يدافع عن الحق والحقيقة فبعض الصحف ووسائل الاعلام الغربية التي تصف نفسها بأنها تتحلى  بمباديء “الثقة والحيادية والنزاهة بثت تقارير مغلوطة حول المشهد المصري بصورة صارخة تتنافى مع “المهنية التي تتشدق بها” فيما تبين لكل ذي عينين انها سقطت في مستنقع الكذب الممنهج حسبما يلاحظ العديد من المعلقين.
وقد تكتسب الإشكالية المزيد من التركيب والتعقيد مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت وبعضها لايتورع عن “نشر الأخبار الملفقة وترويج الأكاذيب وتسويق الشائعات”..وفي مقابل ركام الأكاذيب يبقى الشهيد دوما امثولة الصدق وحاضن الحق والحقيقة.
 

%d مدونون معجبون بهذه: