حسام إبراهيم يكتب: امي التي لم تمت !

0 86

رابع عيد ام يحل وهي ليست في العنوان الذي اعتدت التوجه اليه بفرحة ولهفة ..لحظة رحيلها تشكل اللحظة الفارقة في حياتي حتى انني بيني وبين نفسي اؤرخ ايامي بما قبل هذه اللحظة وبما بعدها..هل اقول انني اعتبر حياتي بعدها “حياة افتراضية ومجرد ايام بلا عنوان”؟!!..ام ان حضورها الكلي داخلي يضمد جرح الفقد وأحزانه ويحول دون ان يكون الوجود في نظري جبال رماد وتلك الأيام اشلاء تذروها الرياح ؟!.

الكتابة بصيغة الماضي عن اعز الأحباب  عذاب مابعده عذاب..اتذكر بقوة اول هدية اشتريتها لها في مثل هذا اليوم بعد ان ادخرت سرا قروشي القليلة واسرعت لأحمل لها زجاجة عطر..تلك الرائحة الحبيبة مازالت حاضرة في روحي بعبق احتضانها لي وانا اقدم لها اول هدية في عيدها.

للقاهرة جاءت بنت 15 عاما بعد ان قرروا زواجها من ابن خالها..دوما كنت اسمعها تتحدث عن بلدتها المحلة الكبرى بحب طاغ..بمنظور استرجاعي للماضي افهم الآن شعورها وادرك انها انتزعت انتزاعا من رحم المكان الذي احبها واحبته لتجد نفسها وحيدة في المدينة الكبيرة المزروعة بغابات الأسمنت..عندما كنت اذهب معها في اجازات الصيف للمحلة اراها كائنا يحلق بسعادة واشعر بمعنى “العزوة” والكل يحتفي بي ليس لشييء الا انني ابنها !.

احيانا في “قعدات صحوبية” بيني وبينها كنت اقول لها :”ظلموك ياحاجة عندما زوجوك وانتي صغيرة وجابوكي شبرا”!!..تقول لي :”شبرا حلوة لكن المحلة بلدي واهلي..ومن المفارقات الآن انني اشعر بنفس شعور “الانتزاع” بعد ان رحلت من حي شبرا لحياة الضواحي التي لاتعرف او لاتستطيع ان تبدع “انس وحميمية شبرا”..في حي كهذا يمكنك ان تقول بالفعل:”على هذه الأرض مايستحق الحياة”..ترى هل سيقول ابنائي يوما ما عن ضاحيتهم نفس مااقوله الآن عن شبرا؟!.

بعد رحيل اعز الأحباب توجهت اكثر من مرة الى شبرا وكأنني ذاهب اليها في بيتها..في بيتنا..وعندما انتبه ابكي في داخلي..الآن اصعب شييء على نفسي ان اذهب لشبرا وهي ليست هناك..هل تحولت ملاعب طفولتي وايام الصبا لمجرد حلم بهيج وبقايا ذكريات ؟!..كل شييء يرتبط بالحبيبة حتى عندما كنت اتشاجر مع صبي اخر وتأتي امه لتشكوني وهي تهدد بالويل والثبور ماان ترى الحبيبة حتى تستدير لي مندهشة وتقول :”امك ست طيبة ” وتتحول المسألة لصداقة جديدة من صداقات العمر الجميل !.  

في سينما الأمير بشارع خلوصي قبل ان تتحول “لمول” او “سنتر” في سياق العمارة المغلقة والأجواء السجينة للرأسمالية المصرية كانت لنا ايام وليال بديعة في أجواء الأنس والبهجة وتحت سماء يبتسم فيها القمر ..هل  ماتت الابتسامة معها؟!..دائما سيكون هناك موت ولن تنتهي ابدا سرادقات العزاء فهل معنى ذلك ان كل شيء ينتهي مع نهاية سرادق العزاء؟!.

الآن اقول انني لاأشعر الا بحضور الحبيبة..الآن استشعر معنى الخلود في قلب المحب..هذا شييء ابعد واعمق بكثير من هذا الخلود الذي تتيحه التكنولوجيا ومستحدثات التقنية وهذا هو الخلود الوجودي حيث الحضور الدائم والكلي لأعز الأحباب في القلب ..هل اقول انها “الذاكرة المناهضة للموت”؟!.

في تلك الذاكرة  يتجلى الوهج الأخضر..انين الأوتار وقد استحال موسيقى عذبة واضواء رقيقة..التأمل في اقاصي النفس واعالي السماء وشجن البنفسج عند شروق القمر وقد تصالحت كل الأشياء بلحن الذكريات وتراتيل القلب..هنا يمكنني ان انظر نظرة جديدة واخرج بمعان جديدة من كلمات سبق وان قرأتها واحيانا اكتبها..مثلا عن رواية “الأم” للأديب الروسي مكسيم جوركي ناهيك عن النموذج المصري الطيب “امينة” كما تجلى في ثلاثية النوبلي الراحل نجيب محفوظ الذي  قال :”مامن شخصية كتبت عنها الا وقد اخذتها من الحياة المعيشة” مؤكدا على ان “امينة” كانت تمثل القطاع الأعظم من الأمهات المصريات في الحقبة مابين ثورة 1919 والحرب العالمية الثانية.

هل اراها وسط جدل المثقفين حول ثورة الاتصالات التيافضت لأعباء واستحقاقات جديدة للأمومة ودور الأم والتساؤلات حول مدى تأثير الثورة الاتصالية والمعلوماتية على نموذج “امينة” الذي نحته نجيب محفوظ للأم في رائعة “الثلاثية” ومدى التغير في هذا النموذج للأمومة كما عبر عنها محفوظ في “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية” ؟!.. هل امضي معها بخيالي مثلما “الغائب الحاضر” نجيب محفوظ مضى مع خياله ليتساءل :”ماذا يحدث ان تمردت امينة” مثلما فعلت “نورا” بطلة “بيت الدمية” للكاتب المسرحي النرويجي هنريك ابسن” ؟!.

لااستطيع ان اقول انها تجسد نموذج “امينة” الذي نحته سيد الرواية المصرية والعربية النوبلي نجيب محفوظ للأم في رائعة “الثلاثية” لأنها لاتشبه الا نفسها ومااعظمها من نفس جمعت مابين الطيبة والشموخ ومابين السماحة والتسامح مع  الحزم والحسم !..

المؤكد انني لاااحب ان اضعها في أي مقارنات وادرك ان  كل ام  هي قصة متفردة لكن مازال حلمي الكبير ان اذهب لبيتها فاراها تفتح لي الباب على ايقاع الجرس الذي كانت تعرفه جيدا وتدرك من اول رنة انه لي !..احاول ان ابدد الوحشة بالذاكرة المناهضة للموت واستدعاء دائم لسماحة وجهها  وابتسامتها الطيبة وبريق عينيها واكلها الشهي وسجادة صلاتها  !..الأن اقول انها كانت تطبق مفهوم “نوعية الحياة” ببساطة شديدة وبتلقائية وعفوية بعيدا عن تنظيرات وفلسفات كثيرة حول هذا المفهوم !.

رحلت الحبيبة التي منحتني اي شيء جميل..رحلت لكن غيابها لايزيدها الا حضورا في كياني.

رحلت لخالقها وحبيبها لكن من الذي قال انها ماتت ؟!..ان كان المقصود بالموت هو النسيان فأمي لم تمت.. ايها الموت: هزمتك الذكريات وهزمت ظلالك المزهوة بالغياب..هزمك الحب ورائحة اعز الأحباب  فماذا بوسعك ان تصنع وقدر اعز الأحباب هو الخلود بذكريات لاتموت بل هي جزء لايتجزأ من صميم الوجود!..ايها الموت افعل ماانت فاعل لكنك لن تستطيع ان تعبث بجلال الذكريات مهما استعنت بقطعان الفجيعة وشراك النسيان !..لو حال الظلام  بين العين والعين فوجهك ياغالية يتراءى دوما في القلب.

 

 

 

 

 

 

%d مدونون معجبون بهذه: