فتحي خطاب يكتب ل " مصر المحروسة .نت " : رغم حقائق التاريخ وشواهد الجغرافية…. لماذا يتجاهل العرب قضية «عربستان»؟!!

ترتبط قضية احتلال واغتصاب أراض عربية (فلسطين، والأحواز) بالمزاعم والادعاءات نفسها تقريبا التي تستند إلى مواريث من الماضي لإيقاظ «وعي اليهود» و «وعي الفرس»، وقد التقيا في زمن الاتفاق على تقسيم إرث الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى،

0 5

لا ننكر أن هناك حالة صراع أو تناقض دائم بين إيران والعالم العربي، وطالما بقيت «مواريث» إيرانية، موجودة في أعماق النفوس لا تستطيع تجاوزها، وقد تكشفت تلك المواريث « صراحة وعلنا» في صورة تصريحات عدوانية، وتدخلات في شئون الدول العربية .. ولكن تبقى تلك القضية هي الأخطر والأهم ( قضية الأحواز) لأنها تقف على منطقة خط حدود احتكاك حضاري وإنساني وسياسي وعسكري .. «الأحواز» تقع على منطقة تناقضات، بامتداد الشاطىء الشرقي «كله» للخليج العربي.. وربما منذ أن «طفحت» مطامع وأهداف «العنصرية الفارسية» باتجاه الإقليم العربي.
وإذا كانت الأمة العربية على حق في كل قضاياها «المغتصبة»، ولكنه حق افتقد الوعي أحيانا، وافتقد الإرادة أحيانا، وافتقد الوعي والإرادة أحيانا كثيرة.. فإن «بريطانيا العظمى» كانت العامل المشترك الأكبر في كل تلك القضايا الاستعمارية، ومن التحالف مع القوى الصهيونية للسطو على تاريخ وجغرافية «فلسطين» .. وحتى التحالف مع شاه إيران «رضا خان بهلوي» وقيام قوة عسكرية بريطانية باختطاف «الشيخ خزعل» وتسليمه إلى إيران ليتم إعدامه، ثم شنت إيران في 20/ 4/ 1925 حملة عسكرية على إمارة عربستان، انتهت باحتلال وطن عربي يحمل اسما تاريخيا «الأحواز».
ومن المفارقات التاريخية أن يتوجه الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، واستجابة لنصيحة عدد من رموز القوى السياسية والوطنية العربية في خريف عام 1924 إلى حاكم إمارة عربستان على الضفة الشرقية للخليج العربي، الشيخ «خزعل بن جابر الكعبي» طلبا للدعم المادي والمعنوي لنضال الشعب الفلسطيني في مواجهة ما يجرى تنفيذه على الأرض من غزو طوفان المهاجرين اليهود، تمهيدا لإنشاء دولةيهودية في فلسطين، عقب إعلان وعد بلفور، ثم سقوط القدس تحت الاحتلال البريطاني، ودخول القوات البريطانية بقيادة «أدموند اللنبي»، وقيام عصبة الأمم في 24/ 7/ 1922 بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين.. وفي مدينة المحمّرة – عاصمة عربستان وقتئذ – يتكفل الأمير العربي «خزعل الكعبي» بمطالب مفتي القدس، ومساندة الحركة الوطنية الفلسطينية.. وبعد أقل من عام من عودة مفتي القدس، وموجات الهجرة تتدفق على ربوع وطنه، وتتوسع مستعمراتها الاستيطانية كل يوم، كانت إمارة «عربستان» العربية تسقط بدورها تحت الاحتلال الفارسي 1925 !!
وتصدرت القضية الفلسطينية، هموم الوطن العربي، وتراجعت قضية عربستان إلى هامش النسيان، وأصبحت قضية عربية منسية عمدا، وبعد أن أدرجت على جدول أعمال مؤتمر القمة العربي الثاني بمدينة الاسكندرية (5 ـ 11 / 9/ 1964)، ولكن «على استحياء»، ضمن بنود : ( دعم العلاقات بإمارات الخليج العربي.. ومساندة الجنوب المحتل، والخليج العربي .. وتصفية القواعد الاستعمارية .. والتوجيه بوضع خطة إعلامية) .. وأوصت القمة بالتوعية بقضية عربستان في المناهج الدراسية العربية، وبرامج الإعلام العربي، ثم تدخلت المصالح والأهداف السياسية، وحركة توازنات القوى في الإقليم – لمصلحة إيران بالطبع – وأسدلت الستارة العربية تقريبا على قضية احتلال دولة عربية، باستثناء الإشارة بالرمز أحيانا، إلى ما لايستطيعون الإفصاح عنه تفصيلا !!
والشاهد تاريخيا.. أن السياسة البريطانية لعبت دورا محوريا في احتلال واغتصاب «فلسطين» في قلب الوطن العربي، و«الأحواز» على البوابة الشرقية للوطن العربي، وبامتداد الخليج العربي، ومن بندر عباس شرقا إلى المحمّرة غربا، وبمحاذاة مدينة البصرة العراقية، وفي مشهد من أغرب مشاهد التاريخ العربي، يكفي في حد ذاته لشرح وتصوير الطريقة التي كانت تتقرر بها مصائر العرب !!
كان البريطانيون، قد سبق لهم أن دعموا شاه إيران بفتوى تسمح له باحتلال الأحواز، حينما أفتى 18 عالما شيعيا صفويا من ذوي الأصول الفارسية ممن كانوا يقيمون في النجف وكربلاء، ومن بينهم المرجع الشيعي ميرزا النائيني، والمرجع الشيعي الصفوي أبو الحسن الأصفهاني، بضرورة الخروج عن طاعة الأمير خزعل الكعبي حاكم إمارة عربستان، فهو «كافر» ولا يجب على الشعب العربي الأحوازي المسلمالشيعي أن يخرج معه ضد الشاه رضا خان بهلوي «المسلم»، وجاءت الفتوى مقدمة لشرعنه الاحتلال الفارسي لدولة عربية «إمارة عربستان».
ومن المصادفات التاريخية أيضا أن ترتبط قضية احتلال واغتصاب أراض عربية (فلسطين، والأحواز) بالمزاعم والادعاءات نفسها تقريبا التي تستند إلى مواريث من الماضي لإيقاظ «وعي اليهود» و «وعي الفرس»، وقد التقيا في زمن الاتفاق على تقسيم إرث الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وأن تبدأ وتتصل وتتداعى فصول القصة من أولها وإلى العقد المستحكمة فيها، وحتى النهايات المقدرة لها، في سياق متشابه : من إختلاط الديانات مع السياسات.. وصدام الحقوق مع الأسلحة.. وصراع الماضي مع مطامع ومقاصد وأحلام الهيمنة.
وإذا كانت المسألة اليهودية والأحلام الصهيونية قد ظهرت على مسرح الأحداث في الثلث الأول للقرن التاسع عشر، بأوهام العودة إلى أرض الميعاد، وبدعم الفكر الإستراتيجي الأوروبي – النافذ وقتها – بقيام الدولة الحاجز، العازلة، «إسرائيل»، وأن ينقطع العالم العربي إلى نصفين.. فإن «الفرس» أيضا قد ظهروا على مسرح الأحداث في «الأحواز» كقوة أجنبية لا تربطها بالإمارة العربية «عربستان» أية صلة، سواء من الناحية الجغرافية ـ وتفصلها عن إيران سلسلة جبال زاجروس من الشمال – أو من الناحية التاريخية أو الحضارية أو الاجتماعية، ولكن لعبت المطامع دورها في أرض الأحواز التي تشكل ممرا تجاريا استراتيجيا يربط بين الوطن العربي من جهة، وبين آسيا الصغرى من الجهة الأخرى، وتميزت بازدهار التجارة، وخصوبة الأراضي، وتشعب الأنهار فيها – خمسة أنهار كبرى، وتفرعاتها من الروافد النهرية الصغيرة ـ وهي أول دولة عربية ظهر داخل أراضيها النفط وبكميات كبيرة منذ عام 1908 باكتشاف حقل مسجد سليمان، وتضم حاليا أكثر من 85 % من ثروات المنتج القومي لإيران، وعلى سبيل المثال نجد أن 95 % من البترول و90 % من الغاز و40 % من الحبوب، ومن مجمل المنتج الإيراني، داخل أراضي الإقليم العربي الأحوازي.
والمطامع والمقاصد والأهداف كشفت عنها مذكرات الشاه رضا خان بهلوي بقوله: «لقد فكرت كثيرا قبل إقدامي على اقتحام أكبر معقل يفصل بين فارس والعراق، فوجدت أنه من الضروري القضاء على أمير عربستان..»، والقصد بالطبع بوابة الدول العربية من جهة الشرق.. وحتى شاه إيران الأخير «محمد رضا بهلوي» كان له رأي لا يخفيه في العرب، وهو يشعر بعقدة استعلاء غريبة تصور له أنه وريثإيوان كسرى، أمام قبائل من البدو الرحل، يعرفون فقط التعامل مع قطعان الغنم، بحسب تعبيره !!
وفي حقيقة الأمر فإن شواهد التاريخ تسجل عروبة الأحواز، ومنذ سنوات ما قبل الفتوحات الإسلامية، حين نزحت إلى منطقة الأحواز قبائل عربية أخرى آتية من قلب الجزيرة العربية، منها قبائل مالك، وكليب، واستقرت هناك، وعندما قامت الجيوش العربية الإسلامية بفتح هذه المنطقة، شارك السكان العرب معها في القضاء على الهرمزان في سنة 17 هجرية.. وطوال عهد الخلافة الأموية ثم العباسية ، وصولا إلى الحكم العثماني، كانت « الأحواز» جزءا لا يتجزأ من الأراضي التابعة للخلافة، واستمر الأمر كذلك حتى العام 1925 .
وهناك فصول من حقائق التاريخ يرويها المؤرخ والمستشرق البريطاني، ستيفن هيمسلي لونكريك، في كتابه «أربعة قرون من تاريخ العراق »، إصدار 1925، مسجلا شهادته بالقول : ( في أراضي عربستان الزراعية المنبسطة تستقر قبائل عربية تمتلك الأرض، وتسيطر على طرق المنطقة، وتفرض الضرائب على الطرق النهرية دون معارضة من أحد، وأكثر من مرة حاول الإنجليز بالتعاون مع الفرس احتلال الأحواز دون جدوى، وعندما تحركت بريطانيا لإقامة معمل لتكرير البترول في عبادان، وهي جزء من أرض عربستان، انتدبت السير «برسي كاكس » ليتفاوض نيابة عنها مع أمير عربستان باعتباره الحاكم العربي الأعلى في المنطقة، لعقد اتفاقية بشأن السماح باستخدام خط أنابيب البترول للمرور عبر أراضي إمارته متجها إلى مصفاة عبادان، وكان يتسلم وفق هذا الاتفاق إيجارا سنويا قيمته 650 جنيها».
وعلى نفس المسار جاءت شهادة السير أرنولد ولسن، في كتابه الخليج العربي، وكان ضابطا ضمن قيادة تعمل على حماية القنصلية البريطانية في الأحواز، وحماية شركة النفط البريطانية، واصفا عربستان بأنها «جزءا من الخليج العربي و تختلف عن إيران».. وكتب أيضا المؤرخ الفرنسي جان جاك بيربي، في كتابه عن الخليج العربي «لقد مرت عربستان مع الوطن العربي في مراحل واحدة».
ولم تكن أهمية الإقليم الأحوازي في الثروات المعدنية أو البترول المحبوس تحت شواطئه، أو بسط السيطرة على طرق التجارة إلى الشرق، ولكن أيضا للموقع الجغرافي الهام على امتداد الشاطئ الشرقي للخليج العربي، الذي يتميز بعمق مياهه، مما يسهل إقامة العديد من الموانئ الطبيعية، في حين أن مياه الخليج من جهة سواحل دول الخليج العربية ضحلة، مما يجبر الحكومات الخليجية على إقامة موانئ صناعية.. والشاهد أن امتداد العمق العربي على الشاطىء الشرقي للخليج، يجهض أحلام التسمية الإيرانية بالـ « الخليج الفارسي» ويقضي تماما على هذا المصطلح.. وهو ما يثير هواجس القلق لدى إيران.
 
وتبقى هناك مفارقة أكثر منها مصادفة، فقد أطلق الفرس على المنطقة الأحوازية المحتلة تسمية «عربستان» وهو اعتراف ضمني بعروبتها واستقلالها، ورغم إصرارهم في الوقت نفسه على تسمية الخليج العربي بالفارسي وحتى بعد الثورة الإسلامية في إيران 1979 ومما يعكس بعدا قوميا متطرفا يرفض الحلول الوسط والتوفيق، وقد اقترح العرب تسمية هذا المسطح المائي باسم «الخليج» فقط دون توصيف ، ولكن إيران رفضت ، كما اقترحوا تسميته الخليج الإسلامي باعتبار أن دول الضفتين هي دول إسلامية ، ورفضت إيران ، واقترح العرب «الخليج العربي الفارسي» فرفضت إيران أيضا، ومعنى هذا أن مفهوم الهيمنة هو من المفاهيم المسيطرة على الشخصية الإيرانية ، سواء في طابعها القومي التقليدي أو الليبرالي أو الإسلامي.
فالإسلام القادم من إيران يرتدي عباءة فارسية متأثرة بالمواريث الحضارية لأمة تعيش في جو حصار بين شبه القارة الهندية، وشبه الجزيرة العربية !! وإيران تدرك تماما أن شعب الأحواز العربي يمتد على طول ضفة الخليج العربي الشرقية ، ومن أول مداخلها على شط العرب ، إلى مضيق هرمز، ومما ينفي تماما اسمه الفارسي إذا حصلت دولة الأحواز العربية على استقلالها ، فضلا عن العمق الاستراتيجي الذي يعد خط الدفاع العربي الأول في مواجهة المخططات الإيرانية التوسعية نحو دول الخليج .
وهواجس البعد القومي للقطر العربي الأحوازي، وأهميته الاستراتيجية للمنطقة العربية، دفعت الإيرانيين إلى حرمان الشعب الأحوازي من تسجيل المواليد من الذكور والإناث بأسماء عربية، وتحريم ارتداء الأزياء العربية التقليدية ( الكوفية والعقال ) وإلغاء دراسة اللغة العربية في المناهج المدرسية، رغم أن اللغة العربية هي لسان حال الشعب الأحوازي من الشيعة العرب والسنة والصابئة – أكثر من 10ملايين نسمة – على امتداد 24 مدينة و3 آلاف قرية داخل مساحة تصل إلى 324 ألف كيلو متر مربع .
وإذا كانت المصائر قد تقررت داخل فلسطين والأحواز، في زمن رسم الخرائط الجديدة في المنطقة، بما فيها خرائط الاستقلال، وخرائط التقسيم ، وخرائط الانتداب، وخرائط الحماية، ثم جرت الوقائع ونتائجها المأساوية على النحو الذي جرت عليه، فإن ممارسات الاحتلال داخل الجغرافيتين العربيتين كانت ولاتزال متطابقة تماما، من سياسات العقاب الجماعي، والتهجير القسري ( تم تهجير أربعة ملايين عربي أحوازي إلى العمق الإيراني منذ عام 1925 ) وبين سياسات «التهويد» و «التفريس»، وتمدد المستوطنات والمشاريع الاستيطانية، وسلب الأراضي تحت مسميات اقتصادية، وذرائع أمنية، ويتصل التشابه من سلب المياه الجوفية في فلسطين ، إلى السطو على مياه الأنهار في الأحواز، وحتى عدد المعتقلين متقارب – 12 ألف معتقل داخل سجون كل من إسرائيل وإيران !!
وبعد الإطاحة بنظام حكم البهلويين عام 1979 تصور الشعب العربي الأحوازي أن شعارات الجمهورية الإسلامية الجديدة يمكن تطبيقها على الأرض، وبالتالي فإن التعامل مع قضيتهم سوف يفتح الأبواب للحوار حول تقرير مصيرهم .. ولكن الطموحات الإيرانية السياسية لا تتغير، والمطامع الإيرانية لا تحدها العمامة الإسلامية، وهناك مواريث في أعماق النفوس لا تستطيع إلغاءها !! وجاءت ممارسات إيران الإسلامية أكثر تعسفا في الرغبة في تغيير وجه الإقليم العربي الأحوازي، وصدرت وثيقة «أبطحي» رئيس مكتب رئاسة الجمهورية في عهد محمد خاتمي ، بترحيل مليون ونصف المليون من عرب الأحواز إلى داخل إيران، بهدف التغيير الديمغرافي للمنطقة الأحوازية.
وأتصور كانت الفرصة متاحة أمام «قضية عربستان» طوال سنوات التشاحن الأمريكي الإيراني حول ملف النووي، والمناخ كان يسمح بطرح القضية، وأن تنتقل إلى هامش الإهتمام الأمريكي الغربي كورقة ضغط، حتى لو كانت في يد الغرب.. وبالطبع لم يكن متوقعا أن يتبنى الغرب القضية على أساس الرؤية العربية، ولا على أساس أحكام القانون الدولي منها، ولا حتى على أساس الحق والعدل، ولكن من زاوية التلويح بورقة ضغط على الإيرانيين .. المهم أن يرتفع للقضية صوت ـ على الأقل ـ وربما كانت هناك ممارسات راغبة في التأثير هنا وهناك، وبمقدار ما تسمحبه موازين القوى وموازين الواقع ..ولكن الفرصة أفلتت من بين أصابع الأحوازيين العرب !!
وهناك إضافة فوق ما تقدم كله..إذا كان الشعب الأحوازي العربي وإقليمه، خضع للسيادة العربية منذ آلاف السنين، فإن حقائق التاريخ وشواهد الجغرافية، وحتى عنصر القانون والشرعية الدولية، في أي قضية، ليس هو ضابط إيقاعها، وإنما ضابط الإيقاع حقائق القوة، وتوازنات المصالح السياسية والاستراتيجية .. وفي المقابل فإن أكبر مشاكل العالم العربي أن النظرة الجزئية تشغل كل تفكيره، وهناك غياب للرؤية الشاملة، فضلا عن الإنطباع السائد بأن الأوضاع القلقة التي تواجهها بلداننا العربية، لا ينقصها أن نضيف إليها قلقا آخر.. ولذلك بقيت «عربستان» قضيةعربية منسية عمدا !!
  
 
 

%d مدونون معجبون بهذه: