د. محمد فراج أبو النور يكتب فلول «داعش» على الحدود العراقية السورية

0 7

الهزيمة تعني تدمير قوات «داعش» العسكرية في مناطق سيطرتها (كدولة)، وتحرير المدن الكبرى كالموصل والرقة (العاصمة الرسمية لداعش)، والمدن الاستراتيجية والمهمة كالرمادي والفلوجة، وتدمر، ودير الزور، وصولاً إلى المدن الصغيرة والبلدات.. من قبضة التنظيم، وتدمير تجمعات قواته الرئيسية والمهمة، وهو ما حدث فعلاً بصورة رئيسية على الأقل قبل أن يعلنه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي (21 نوفمبر 2017)، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين (21 ديسمبر 2017 في قاعدة حميميم الروسية باللاذقية سوريا).
ومعروف أن الآلاف من أعضاء وقيادات التنظيم، هربوا خلال المعارك الكبرى في مختلف المدن والبلدات العراقية والسورية، إلى المناطق المجاورة ولجأوا إلى التخفي والانتشار وسط العشائر المحلية، خاصة تلك التي كانت متعاطفة معهم، ولعبت دور «الحاضنة الاجتماعية» لهم في مراحل نشاطهم الأولى، وكذلك بين سكان البلدات والقرى الصغيرة على حواف الصحراء، وفي المناطق الجبلية الوعرة التي تمثل ملاذاً مناسباً لإخفاء الأفراد والأسلحة ومركبات النقل.
كما لجأت أعداد منهم إلى المناطق القريبة داخل الحدود التركية، وإلى المناطق الكردية حيث لا تطالهم القوات العراقية والسورية، خاصة في المناطق الجبلية والنائية في العراق، وفي الشمال السوري وشرقي الفرات، حيث رسمت القوات الأمريكية خطوطاً حمراً لا يجوز للقوات السورية والحليفة تخطيها، وإلا تعرضت لضربات القوات الأمريكية، كما حدث مؤخراً شمال شرقي دير الزور.
وقد أشارت تقارير مخابراتية وصحفية عديدة في الفترة التالية، لاستيلاء القوات السورية والحليفة على دير الزور، لانضمام مئات «الدواعش» الفارين إلى قوات «قسد» ذات الأغلبية الكردية الساحقة، في القتال ضد القوات السورية والحليفة، لمنع انتشارها شرقي الفرات، واستيلائها على آبار النفط والغاز المنتشرة في المنطقة، كما أشارت التقارير إلى استسلام مئات من «الدواعش» الذين كانوا في الرقة وحولها لقوات «قسد»، مع الإبقاء على حياتهم مقابل تعهدهم بالقتال ضد القوات السورية والحليفة في المناطق المذكورة، ثم عادت التقارير وتحدثت عن انضمام مئات من «الدواعش» إلى «قوات حرس الحدود» التي بدأت الولايات المتحدة في تشكيلها مؤخراً، لحماية حدود المنطقة الكردية في سوريا، وهي القوات التي اعتمدت الولايات المتحدة لها (250 مليون دولار) في الميزانية العسكرية الجديدة.
ومن ناحية أخرى فإن قاعدة «التنف» الأمريكية الواقعة عند مثلث الحدود السورية العراقية الأردنية، والتي ترسم القيادة العسكرية الأمريكية حولها دائرة من الخطوط الحمر، يبلغ نصف قطرها 50 كيلومتراً، توفر ملاذاً آمناً للتدريب والعلاج للمئات من مقاتلي «داعش» وحلفائهم. ويتكامل مع «التنف» معسكر «الركبان» للاجئين من أسر «داعش» بالذات، وتمنع القوات الأمريكية تدفق اللاجئين إليه إلا بموافقتها.
ومن هذه المنطقة بالذات انطلقت هجمات مضادة لقوات من «داعش» استهدفت مدينة القريتين السورية، وعدداً آخر من المواقع على طريق تدمر ودير الزور الاستراتيجي، خلف خطوط القوات السورية، حينما كانت الأخيرة تحاصر مدينة دير الزور قبل اقتحامها، وهو أمر لا تخفى دلالته إطلاقاً.
أما في العراق فإن فلول «داعش» تنتشر على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً في المحافظات الغربية المجاورة للحدود السورية أو القريبة منها، والتي يغلب عليها الطابع الصحراوي، أو الجبلي ذو التضاريس الوعرة، بدءاً من الأنبار جنوباً، إلى صلاح الدين وكركوك ونينوى، وحتى دهوك في أقصى الشمال.
وعلى الرغم من الهزائم العسكرية والمعنوية الفادحة التي لحقت ب«داعش» في كل من سوريا والعراق، وفي المناطق الحدودية والقريبة من الحدود المشتركة بين البلدين، فإن ضخامة العدد الأصلي للمقاتلين والإمكانات العسكرية، وطول فترة وجود تلك القوات، وإحكام قيادتها والعمل المخابراتي بين صفوفها، كل ذلك يسمح لنا بتوقع أن يبلغ عدد فلول «داعش» في منطقة الحدود العراقية السورية، آلاف المقاتلين المؤدلجين، الذين يعرفون أن مصيراً أسود سينتظرهم إذا وقعوا في يد السلطات، وبالتالي فإن لديهم دافعاً قوياً لمواصلة القتال، أو لدى أعداد كبيرة منهم على الأقل، خاصة أن بينهم عدداً لا بأس به من القيادات والعناصر المخابراتية، سواء من مخابرات صدام القديمة، أو من الكوادر المخابراتية التي تربت في أحضان التنظيم، ما يساعد على تماسك صفوفهم ولو نسبياً.
على أننا لا نتوقع أن يلجأ هؤلاء إلى الانخراط في تجمعات كبيرة يسهل رصدها وضربها، أو إلى إقامة ما يعرف بالمناطق المحررة مثلاً، والتي يسهل تدميرها أيضاً.. بل إن المنطقي أن يمارسوا أشكالاً من حرب العصابات الخاطفة، بشن الغارات على المدن والبلدات والقرى، أو على الوحدات العسكرية الصغيرة ومراكز الشرطة، ثم العودة إلى مخابئهم الحصينة، أو حتى القيام بعمليات انتحارية غير كبيرة، وطبعاً عمليات تفجير بالسيارات المفخخة في أماكن التجمعات، أو حتى عمليات انتحارية بالسيارات، كما رأينا في الفترة الأخيرة، وليس من المستبعد إطلاقاً اعتماد أسلوب «الذئاب المنفردة» الذي رأينا أعضاء «داعش» ينتهجونه في البلاد الأوروبية.
وهنا يبدو العراق مرشحاً لتحقيق تقدم أسرع في المرحلة الجديدة من مكافحة الإرهاب، على ضوء تقدم عمليات بناء الدولة وإعادة الإعمار فيه، وأوضاعه الاقتصادية الأفضل بكثير من سوريا، ومع ملاحظة أن عملية التسوية السياسية لا تزال تؤثر في سوريا، خاصة مع بروز اتجاه لخلط أوراق التسوية فيها من جانب الولايات المتحدة، عبر فكرة إقامة كيان كردي مستقل في الشمال والشمال الشرقي، وما استدعاه ذلك من تدخل تركي خطر في شمال غربي سوريا، فضلاً عن توجه الأكراد للتعاون مع فلول «داعشية» تحت رعاية واشنطن.
غير أن هذا التقدم العراقي المأمول، يظل مرتبطاً بالتقدم في بناء الدولة وتعافي الحياة السياسية، وبالطبع التطوير المستمر لأجهزة الأمن.
والآن نجيء إلى «الرايات البيض»؛ ذلك التنظيم الذي يتحدث عنه كثير من المراقبين كخليفة محتملة ل«داعش»، ربما يكون أخطر منه أو لا يقل خطورة عنه، ونقول مباشرة إننا لا نتفق مع وجهة النظر هذه، فلو فتح القارئ الكريم موقع جوجل على الشبكة العنكبوتية، فسيجد عشرات المقالات والتقارير تحت هذا العنوان، ويتحدث معظمها عن «الرايات البيض» كتنظيم مكون أساساً من فلول «داعش»، ويتحدث بعضها عن عضوية ميليشيات كردية فيه، هي على الأغلب من الغاضبين على فشل استفتاء البرزاني وعواقبه السلبية على مشروع استقلال كردستان، لكن أكثر التقديرات لا تزيد بأعضائه على ألف مقاتل فقط.
ويستمد التنظيم اسمه من كون رايته بيضاء يتوسطها رأس أسد، بعكس راية «داعش» السوداء المعروفة. ويشير هذا إلى عدم تماسك التنظيم فكرياً، وإلى أنه بالتالي مرشح للانشقاق حينما تنتفي حاجة كل من الطرفين للآخر، خاصة مع نزعات «داعش» التكفيرية المعروفة.

%d مدونون معجبون بهذه: