مجدى الطيب يكتب :«اطلعولي بره» .. الشيطان حلال المشاكل !

«فاوست» يطل برأسه وطزاجة انحرفت عن مسارها 

0 11


• بداية طيبة لولي العهد محمد أحمد السبكي الذي تمرد على «خلطة» العائلة «السبكية» وحقق طفرة في المسيرة الإنتاجية للشركة !
«اطلعولي بره» واحد من العناوين الخادعة، التي تأخذك إلى انطباع زائف، غير ما يوحي لك مضمونها، ومن ثم يُصبح عليك أن تشاهدها، قبل أن تتسرع بالحكم عليها؛ فمن المؤكد أن الاكتفاء بعنوانها فقط سيوقعك في مأزق حرج يجعل منك «شاهد ما شافش حاجة» !
ففي المأثورات الشعبية يُعد اصطلاح «اطلعولي بره» ترجمة لصيحة شهيرة تُمهد لمعركة حامية الوطيس يتوعد فيها طرف الطرف الآخر، مُهدداً ومتوعداً : «اطلعولي بره»، وهو ما وقعت فيه صحيفة يومية مشهورة عندما كتبت، على لسان محررها، الذي تصور أنه يُحقق سبقاً بالكتابة عن الفيلم أثناء تصويره، تقول بجرأة تُحسد عليها : «تدور أحداث الفيلم داخل حارة شعبية تشهد العديد من الصراعات بين سكانها، وتبرز فى الأحداث عصابة يقودها خالد الصاوى، يتعرضون للعديد من المواقف الدرامية، إلى أن يتم القبض على رئيس العصابة»، في عبث، و«فبركة»، لا يوجدان إلا في المخيلة المريضة للصحيفة، ومحررها؛ فأحداث الفيلم، الذي شارك في كتابته طارق الأمير وفادي أبو السعود وأخرجه وائل إحسان، ليس فيها شيئاً من ذلك على الإطلاق، بل ينحو الفيلم منحى نفسانياً خالصاً، عندما يحكي أزمة الشاب «يوسف» (كريم عبد العزيز) خريج كلية التجارة الذي يعاني حيرة، واضطراباً، يُربك حياته، كونه لا يستطيع حسم اختياراته، ويشعر أن بداخله أكثر من شخصية كامنة تُصارع للسيطرة عليه، وتفرض عليه رأيها، ويعرض حالته على الطبيب النفساني (أشرف غبد الباقي في ظهور شرفي)، قبل أن تقوده المصادفة للعثور على كتاب بعنوان «اطلعولي بره» يبحث مؤلفه في أزمة نفسانية مماثلة، ويخلص من خلاله إلى أن الحل للخروج من الأزمة يكمن في إخراج الشخصيات، التي تعصف بالذهن، وتسيطر على الشخصية، والحوار معها !

طزاجة انحرفت عن مسارها 
حل مجنون لكن بطلنا الشاب «يوسف» يرتاح إليه، ويرى فيه نهاية لمشاكله، ويبدأ بالفعل في الحوار مع الشخصيات التي تسيطر عليه، بعد أن يخرج بها إلى أرض الواقع، من دون أن يراها أحد سواه، لنكتشف أنها تتمثل في شخصيتين رئيستين؛ هما : «كيكي» (خالد الصاوي) رمز الشر و«أبو الخير» (أحمد فتحي) رمز الخير – كما هو واضح من أسمه – ومن ثم يجد نفسه في صراع نفساني جديد حول الطرف الذي ينبغي أن ينحاز إليه عساه يُخلصه من مشاكله العملية والعاطفية؛ فالأول – «كيكي» – يرسم له «خارطة طريق» للتعامل مع البشر تقوم على اعتناق الشر كوسيلة فاعلة للمواجهة، والتخلص من الأعداء، وتبني مبدأ «الغاية تبرر الوسيلة»، بينما يدعوه «أبو الخير» للتمسك بالفضيلة، والأخلاق الحميدة، والصبر على المكائد !
فكرة طازجة للغاية؛ خصوصاً عندما تفشل خطط «أبو الخير» بينما تكاد أفكار «كيكي» أن تُصلح حياته، التي أفسدها عمه «كمال» (بيومي فؤاد)، الذي استولى على إرث أبيه في الوكالة الإعلانية والمطبعة، وابنة عمه «أمينة» (ملك قورة)، التي أحبها من طرف واحد، وفشل «أبو الخير» في استقطابها، بينما أفلح «كيكي» في جذب انتباهها، بعد إزالة الفجوة بينهما، ووضع يديها على معدنه الأصيل، وحبه القديم، واستعادة ذكرياتهما الطفولية، التي أخفاها عنها (أفضل مشاهد الفيلم)، بالإضافة إلى نجاحه في كسر شوكة أبيها، الذي لم يكن يعير الشاب التفاتاً، بسبب ضعفه وتردده، وتخليص الشاب من «سامح» غريمه اللدود في العمل !

«فاوست» يطل برأسه !
الواضح أننا أمام معالجة جديدة لقصة «فاوست»، الذي باع نفسه للشيطان؛ خصوصاً بعد ما انتصر الشر على الخير، ونجح «كيكي» معادل الشيطان في التخلص من «أبو الخير»، وانفرد بالسيطرة على «يوسف»، و«استثمر الوسخ بداخله»، حسب تعبير الشيطان، لكن التنفيذ شابه التطويل، والتكرار، والثرثرة، وتعدد الخيوط والمواقف الكثيرة، ما أصاب الفيلم بتخمة (الإلحاح الممل على زميله «بكري» لحضور حفل زفافه، باعتباره فرصة لجلسة طويلة مع «أمينة»، واجترار ذكريات الطفولة، الذي جمعته وابنة عمه في بيت الجدة، وانتهت بصدمتها بعد ما حاول اغتصابها «ليكسر عينها» بناء على نصيحة الشيطان) والاقحام الفج لشخصية المطرب محمد نور، بشخصيته الحقيقية، ليغني ويتسبب في ترهل الإيقاع، من دون إضافة حقيقية للخط الدرامي، ولولا هذا لأصبجنا أمام تجربة مثيرة، وممتعة، تناغمت فيها العناصر الفنية؛ مثل «المونتاج» (أحمد حمدي) بقطعاته السريعة، و«الموسيقى» (نادر حمدي)، والديكور والأزياء (إسلام يوسف)، فضلاً عن «التصوير والإضاءة» (كريم أشرف)؛ خصوصاً في مشاهد سيناء، واستثمار طبيعتها الساحرة، من جبال ووديان، في إضفاء لمسة رومانسية على الأحداث، وتصفية الأجواء بين «يوسف» و«أمينة»، وارتياح الشيطان لنجاح مساعيه، ونفراده بالسيطرة على «يوسف»، بعد تخلصه من «أبو الخير» !

تجربة مغايرة .. وانقلاب !
«اطلعولي بره» تجربة مغايرة للمخرج وائل إحسان، الذي قدم من قبل عدداً من الأفلام الناجحة؛ مثل : «اللمبي»، «الباشا تلميذ»، «مطب صناعي»، «رمضان مبروك»، «حلم العمر» و«عندليب الدقي»، لكن السيناريو خصم من رصيد التجربة، التي لم يكن هناك داع لأن تنتهي بزواج «يوسف» و«أمينة»، والعظة الأخلاقية، التي تنتصر للخير، بعد تخلص البطل من الشيطان، والتحصن بالبسطاء، وحب الناس الغلابة، والتوجه الديني في التجاء البطل للصلاة، وظهور لقطات للمساجد، والمباشرة في الاستعانة بالآية القرانية ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ على غرار أفلام السيناريست محمود أبو زيد، التي كانت تنتهي بآية قرانية، لتلخص رسالة الفيلم، في اعتراف واضح بالفشل في توصيل ما أراده الفيلم، عبر عناصره الفنية، وهو ما تكرر في «اطلعولي بره»، الذي امتلأ بعبارات إنشائية جوفاء تدعو إلى ضرورة المقاومة، وتحمل المسئولية، والبحث عن الحلم، ومواجهة الصراع في داخلك بأن تكون أقوى مما يمكن أن تتخيل، وبقية الرسائل الوعظية التي تصلح لأن تكون موضوعاً لخطبة يوم الجمعة، وليس محوراً لفيلم سينمائي أدواته الصورة والحوار والأداء !

الخلاصة أن من يشاهد فيلم «اطلعولي بره» لابد أن يخرج بيقين جازم أن ثمة انقلاباً سلمياً يحتدم داخل شركة «السبكي فيلم للانتاج السينمائي» يقوده «محمد» نجل المنتج الشهير أحمد السبكي، ويمثل طفرة في المسيرة الإنتاجية للشركة؛ سواء من حيث الفكرة (شاب متردد عاجز عن اتخاذ قرار في حياته)، أو اختيار الممثلين (كريم عبد العزيز وخالد الصاوي وأحمد فتحي مع الوجه الصاعد ملك قورة)، والأهم التمرد على «التوليفة السبكية» المعتادة؛ إذ لا يوجد مطرب شعبي (الليثي أو الصغير وغيرهما) ولا الراقصة ( دينا وصافيناز وإليسار وآلا كوشنير) ولا الفرح الشعبي الذي يشكل قاسماً مشتركاً لكل أفلام السبكي الأخيرة .. وهي بداية مبشرة لولي العهد !

%d مدونون معجبون بهذه: